ابن كثير

321

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

على من عداه ، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو وزير أو نديد أو عديل ، لا إله إلا هو ولا رب سواه . وقد أورد النسائي هاهنا حديثا فقال : حدثنا إبراهيم بن يعقوب ، حدثني محمد بن الصباح ، حدثنا أبو عبيدة الحداد ، حدثنا الأخضر بن عجلان عن أبي جريج المكي عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ بيدي فقال « إن اللّه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، ثم استوى على العرش في اليوم السابع ، فخلق التربة يوم السبت ، والجبال يوم الأحد ، والشجر يوم الاثنين ، والمكروه يوم الثلاثاء ، والنور يوم الأربعاء ، والدواب يوم الخميس ، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر ، وخلقه من أديم الأرض : أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ، من أجل ذلك جعل اللّه من بني آدم الطيب والخبيث » هكذا أورد هذا الحديث إسنادا ومتنا ، وقد أخرج مسلم والنسائي أيضا من حديث حجاج بن محمد الأعور ، عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد عن عبد اللّه بن رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بنحو من هذا السياق وقد علله البخاري في كتاب التاريخ الكبير فقال : وقال بعضهم : أبو هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح ، وكذا علله غير واحد من الحفاظ ، واللّه أعلم . قوله تعالى : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ أي يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة ، كما قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] الآية ، وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة وسمك السماء خمسمائة سنة وقال مجاهد وقتادة والضحاك : النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام وصعوده في مسيرة خمسمائة عام ، ولكنه يقطعها في طرفة عين ، ولهذا قال تعالى : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي المدبر لهذه الأمور ، الذي هو شهيد على أعمال عباده ، يرفع إليه جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها ، هو العزيز الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه ، ودانت له العباد والرقاب ، الرحيم بعباده المؤمنين ، فهو عزيز في رحمته رحيم في عزته . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 7 إلى 9 ] الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 9 ) يقول تعالى مخبرا أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها . وقال مالك عن زيد بن أسلم الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال : أحسن خلق كل شيء كأنه جعله من المقدم والمؤخر ، ثم لما ذكر تعالى خلق السماوات والأرض ، شرع في ذكر خلق الإنسان ، فقال